الرئيسية / صحافة / حوارات / هؤلاء الحكام الثلاثة لمصر أكثر من ظلمهم التاريخ

هؤلاء الحكام الثلاثة لمصر أكثر من ظلمهم التاريخ


  • ◄”محفوظ” الأصدق سينمائيا.. و”عيد” و”عبد الرحمن” الأفضل تليفزيونيا
  • ◄«تزوير التاريخ» يحدث بسبب «الهوى» لتحقيق أهداف شخصية

«الحقائق التاريخية واضحة وثابتة وإنما تفسيراتها هي التي قد تختلف من مؤرخ إلى آخر، كما أنها يجب أن تفسر في ضوء الظروف المحيطة بها، من خلال منهج علمى يعتمد على إعمال العقل والمنطق، أما أن يطلق البعض آراء فارغة تحمل أحكامًا من نوع (أفضل وأحقر وأسوأ) على شخصية تاريخية، دون ذكر ما لها وما عليها، فهذا ليس «علم التاريخ»…

 هذا ما أكده الدكتور أيمن فؤاد، رئيس الجمعية المصرية للدراسات التاريخية، أقدم جمعية تاريخية في المنطقة العربية، يرجع تاريخها إلى سنة 1945، في حواره لـ «فيتو»، وهو من أبرز المؤرخين والمحققين في التاريخ والحضارة العربية والإسلامية، وله العديد من المؤلفات، منها “تاريخ المذاهب الدينية في بلاد اليمن والدولة الفاطمية”، و”التطور العمراني في مصر”، كما نال وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى من رئيس الجمهورية، وجائزة الدولة التشجيعية في التاريخ من المجلس الأعلى للثقافة عام 1983، وإلى نص الحوار:



* بداية.. كيف يكتب التاريخ؟
– الأصل أن تكون لديّ واقعة تاريخية معينة، فيقوم المؤرخ بتوثيقها، ولكن الاختلاف يحدث في تفسيرات تلك الواقعة، فكل مؤرخ يسرد تفاصيلها حسب وجهة النظر المقتنع بها والمصدر الذي توصل إليه في رواية الكواليس والتفاصيل.

* كيف يمكن أن يتعرض للتزوير، وهل هناك متخصصون يتعمدون تشويه التاريخ؟
– من يقدم على ذلك هو شخص “غاوي شهرة”، يتعمد إثارة تصريحات صادمة تغاير ما ترسخ في أذهان الناس عن شخصية أو واقعة معينة لغرض تجاري أو لـ”شو إعلامي”، فهو لا يعتمد على منهج تاريخي سليم في جمع معلوماته.

* متى يكتب تاريخ ثورتي 25 يناير و30 يونيو؟
– عندما يفرج عن كل الوثائق التي تخص تلك الفترة، وفي العالم المتحضر يفرج عنها بعد 30 سنة، وهناك وثائق لثورة يوليو لم يفرج عنها حتى الآن، بل تم الاحتفاظ بها في أماكن سيادية في الدولة تتيح ما تريده منها فقط.

* هل الكتاب المدرسى أداة لتزوير التاريخ؟
– بكل تأكيد يعاني الكتاب المدرسي من مشكلات كبيرة، والسبب أنه يكتب بناء على توجه القوة السياسية الموجودة في العصر نفسه؛ فالذين درسوا في الخمسينيات والستينيات وجدوا أن عهد محمد على موصوم في المناهج، ولا يحمل أي إيجابيات لمصر، ولكن بعد 60 عاما من ثورة يوليو أصبحنا نتحدث عن إنجازات محمد على وأسرته في بناء مصر الحديثة.

* ما السبب في أن القوة السياسية في أي نظام «تشوه» تاريخ ما قبلها، وتختزل إنجازاتها؟
– هذا يرجع إلى عدم استقرار الأنظمة السياسية في مصر، فكل نظام يأتي بعد ثورة على نظام سبقه، فالطبيعي والمنطقي أن يختزل تاريخ النظام الذي أسقط قبله، والذي جاء على حسابه، ولذلك لا يظهر تاريخ فترة معينة بما لها وما عليها إلا بعد مرور عشرات السنوات ليكتب المؤرخون الحقيقة كاملة دون خوف أو تشويه.

* ما دور الجمعية في ضبط المناهج بالكتاب المدرسي؟
– أرسلنا تقارير بجميع ملاحظاتنا لآخر 3 وزراء تعليم بشأنها، ولم نتلق ردا حتى الآن.

* ماذا عن الدراما كوسيلة لعرض التاريخ، وإلى أي مدى يمكن أن تنجح في ذلك؟
– تنجح إلى درجة كبيرة إذا راعت عرض حقائق الأحداث والشخصيات كما هي دون تشويه أو تزوير، خاصة على مستوى الأميين الذين لا يجيدون القراءة، فتكون تلك وسيلتهم في التعرف على تاريخ بلادهم، وإذا خضعت للمراجعة التاريخية الدقيقة ففي السبعينيات والثمانينيات كان قطاع الإنتاج لا ينفذ أي عمل تاريخي دون إرساله للجمعية التاريخية المصرية لمراجعة المادة التاريخية، وهذا لم يحدث في العشر سنوات الأخيرة؛ حيث إن الدراما التاريخية التي تعرض على الشاشات نادرا ما ترسل إلينا، بل يلجأ كل مؤلف إلى مؤرخ- على مزاجه- فتكون النتيجة مسلسلات مليئة بالأخطاء التاريخية.

* إلى أي مدى مسموح لكاتب الدراما التاريخية باستخدام الخيال؟
– يسمح له باستخدام أدواته الفنية فيما يتعلق بتفاصيل الحياة اليومية، مستندًا إلى عادات وتقاليد العصر الذي يكتب عنه، وذلك باالرجوع أيضًا إلى متخصصين، وعدم ابتكار شخصيات وأحداث لم تكن موجودة في التاريخ.

* هل شوه مسلسل “الجماعة 2” شخصيتي جمال عبد الناصر ومحمد نجيب؟
– نعم لأن مؤلفه وحيد حامد اعتمد على مصادر تتبنى وجهة نظر الإخوان، وليس وجهة النظر الأخرى لإبراز أن الجماعة لها دور في الحياة السياسية المصرية لم ينقطع منذ سنة 28 وحتى الآن، يقوى ويخفت، فحالة الشد والجذب بين الإخوان وعبد الناصر كان لابد من عرضها من خلال وجهتي النظر، وليس من ناحية الإخوان فقط التي تبناها المؤلف لنقل صورة صادمة لأهداف تجارية.

* مَن أفضل مَن كتب التاريخ؟
– أرى أن نجيب محفوظ هو أحسن من كتب وعبر عن التاريخ في رواياته بكل صدق كما في “الثلاثية” و”القاهرة 30″، وفي الدراما التليفزيونية محمد السيد عيد ومحفوظ عبد الرحمن لالتزامهما بالحقائق التاريخية والموضوعية في عرضها في سياق درامي بكل حيادية، بعكس ما حدث في مسلسلات أخرى مثل «سرايا عابدين»، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة لتشويه تاريخ الخديو إسماعيل واختزاله في علاقاته بنساء القصر.

* من هم حكام مصر الذين ظلمهم التاريخ؟
– أرى أن أكثر من ظلمهم التاريخ من حكام مصر، وتم الافتراء عليهم، هم: «الخديو إسماعيل والخديو عباس حلمي الثاني والملك فؤاد الأول»، فـ «إسماعيل باشا» أول حاكم يأتي بعد قرون كان يمتلك رؤية حقيقية لكيفية تطوير مصر والقاهرة بوجه خاص، ونجح في تحقيق ذلك، وأخيرًا تنبهت المحافظة لذلك الدور، وتحتفل بمرور 150 سنة على مشروع «إسماعيل»، بالإضافة إلى دور عباس حلمي الثاني في الحركة الوطنية وإحياء مصر التاريخية، وما شيده الملك فؤاد من مبان كجامعة القاهرة والبرلمان ودار القضاء العالي والشهر العقاري.

* ماذا عن محمد نجيب؟
– محمد نجيب مكث في الحكم 48 يوما، وكتب تاريخه في عهد جمال عبد الناصر الذي حدد إقامة “نجيب” في فيلا زينب الوكيل حتى سنة 1970 رغم دوره القيادي في ثورة يوليو، وكونه الواجهة التي وقف وراءها الضباط الأحرار جميعهم، ولكن لم يظلم التاريخ محمد نجيب الذي أطلق «السيسي» اسمه على أحدث قاعدة عسكرية في مطروح، كما أطلق «مبارك» اسمه على إحدى محطات مترو الانفاق، وأقام له جنازة عسكرية بعد وفاته، ونفس الأمر مع جمال عبد الناصر والسادات اللذين تناولهما التاريخ بحجم إنجازاتهما، فـ«ناصر» كانت له إيجابيات كثيرة كما كان له سلبياته، أما السادات فقدم الكثير لكن لم يجد قوة سياسية مؤيدة، خاصة من الناصريين واليساريين فلجأ إلى ظهير آخر، وهو الحركات الإسلامية.

* هل الأدوات التكنولوجية الحديثة وإعلام المواطن عبر الإنترنت وسيلة للتوثيق التاريخي للوقائع؟
– بالتأكيد ستساعد في توثيق الوقائع لحظة حدوثها، ولعبت الصحافة والإذاعة دورا كبيرا في ذلك في الماضي، ثم التليفزيون والإنترنت، ولكن تفسير تلك الوقائع وتأريخها يحتاج إلى دراسات ومقارنات وجهد علمي كبير.

* ما الخطوات التي يجب اتخاذها لحفظ التاريخ وعدم ضياع الوثائق الحقيقية؟
– يجب أن يكون هناك قانون للوثائق، وأن يتم نقلها جميعا إلى مكانها الطبيعي، وهو دار الوثائق القومية لفهرستها وتكشيفها وإتاحة الجزء المسموح منها، وحجب غير المسموح به، وهذا ما يحدث في لندن وفرنسا، وكذلك أن يعهد بالكتابة إلى مؤرخين حقيقيين وليسوا هواة أو مدعين يقلبون الحقائق 360 درجة لإثارة الجدل.

* وكيف يمكن التصدي لهم؟
– هناك قاعدة تقول: «إذا لم توجد وثائق فلا تاريخ»، و«اللي يقول حاجة يوثقها وأي شخص يطلع يقول أي كلام فارغ بدون وثائق لا يعتد به ولا ينظر إليه»، بالإضافة إلى توعية ثقافية حقيقية من جانب متخصصين في علم التاريخ لنشر المعرفة الصحيحة بين الأجيال.

الحوار منقول بتصرف عن النسخة الورقية لـ “فيتو”…

قد يهمك هذا المحتوي المرشح من جوجل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*