الرئيسية / صحافة / مقالات / حذف «25 يناير و30 يونيو» من المناهج قرار عظيم نحو بناء وطن حقيقى!

حذف «25 يناير و30 يونيو» من المناهج قرار عظيم نحو بناء وطن حقيقى!


تعريف التاريخ بشكل مبسط، هو «العلم المعنى بدراسة الحوادث التى وقعت فى الماضى، وبترتيب وتضييق السلوك الإنسانى عبر الزمن».


 


وهناك فارق شاسع بين كتابة التاريخ كمنهج علمى متجرد، وبين كتابة الأحداث السياسية على أنها تاريخ، لأن المبادئ الجوهرية للمنهج العلمى فى كتابة التاريخ تجزم بأن بدء الكتابة الموثقة حين تنتهى السياسة، أى لا ينبغى أن نكتب تاريخ فى بلد ما من قلب الحدث، أو أثناء سيطرة صانعو الأحداث، على المشهد العام، لأن الكاتب سوف يخضع مجبرا للمناخ السياسى القائم، فيسيطر عليه مشاعره الشخصية من تعاطف وكراهية ومجاملة أيضا، وهنا مكمن خطورته على العلم.


 


وتأسيسا على ذلك فإن محاولة الكتابة عن ثورتى25 يناير و30 يونيو الآن، كمنهج وتاريخ، أمر يفتقد الأمانة العلمية، وأن كل ما كتب ويكتب عن الثورتين، حاليا، لا يتجاوز كونه كتابات سياسية محضة، فمن المعلوم بالضرورة أن أقرب فترة تاريخية لتوثيق الثورتين توثيقا علميا حقيقيا أمينا، بعد 20 عاما على الأقل، حتى تتضح وتتكشف الأمور كاملة، مع الوضع فى الاعتبار بأنه يتم تدوين الأحداث وجمعها وتوثيقها، وتدوين الخطوط العريضة، من اللحظة الآنية.


 


والدليل على خطورة كتابة وتوثيق الثورتين، أن ما يكتب اليوم عن الأحداث وجلائل الأعمال، يتغير فى اليوم التالى، لخروج وثيقة هنا تضيف معلومات أكثر، أو تسجيلا لمكالمات هاتفية، هناك، تزيح الستار عن اجتماعات وتحركات أو عقد صفقات بين جماعات وتنظيمات وحركات، والدور الذى لعبه كل فصيل سياسى، وشخصية عامة، إلى آخر هذه الأمور.


 


أيضا الثورتان شهدتا زخما وأحداثا ضخمة، وتحتاج كل منها إلى التقسيم لمراحل، فعلى سبيل المثال، ثورة 25 يناير، تحتاج التوثيق منذ بدء الدعوات للخروج فى الشارع، وما حدث يوم جمعة الغضب، وأحداث الستة عشر يوما من المظاهرات والاعتصام فى ميدان التحرير، وأحداث التنحى، ثم حكم المجلس العسكرى، ثم حكم الإخوان، فالأحداث ضخمة ومتشعبة وتحتاج لمجلدات لكى يتمكن المؤرخ من حصر كل الوثائق وإبراز الوقائع والشهادات وربط الأحداث، والحراك الثورى فى الشارع، لذلك فإن قرار وزارة التربية والتعليم الذى سربته مصادر، خلال الساعات القليلة الماضية، عن إلغاء ثورتى 25 يناير و30 يونيو من المناهج، قرار رائع وعظيم الأثر، إن صدقت المعلومات، فلا يمكن أن ندون تاريخ الثورتين من الوجهة السياسية، وليس من باب التوثيق، وأن الأسباب التى استندت إليها المصادر بوزارة التربية والتعليم، لإلغاء تناول الثورتين فى المناهج، إثارة الخلافات والمشاكل بين الطلبة، وتصدع العلاقة وتعمين هوة الخلافات بين المؤيدين والمعارضين من الأجيال الجديد.


 


المصادر بوزارة التربية والتعليم اعترفت أنه لا يمكن كتابة التاريخ وتدوينه بشكل موثق، إلا بعد مرور 15 عاما على الأقل من اندلاعها، وأن ما هو مدون فى المناهج فى الفترة الماضية كان عبارة عن سرد للأحداث بشكل سياسى، وليس كتابة تاريخ، لذلك فإن ثورة 23 يوليو 1952 هى آخر ثورة مصرية سوف تتضمنها المناهج الجديدة.


 


قرار وزارة التربية والتعليم، قرار صحيح، ومهم، من الناحية العلمية والتوثيق، ومن الناحية السياسية أيضا، وإذا تطلب الأمر أن يتم ذكر الثورتين من باب الوعى الوطنى، فإنه يمكن الإشارة إليها فى كتاب «التربية الوطنية»، ويكون للاطلاع وليس للامتحان ولا تعد مادة للنجاح والرسوب، ولا تضاف درجاتها للمجموع الكلى الذى يحصل عليه الطالب، هنا يمكن قبوله كسرد أحداث بشكل مبسط فقط، لأنه وبشىء من التدقيق وإخضاع ما يؤرخ للثورتين فى وقتنا الحالى، تكتشف أن أهم مرتكزات الكتاب للسرد، هى الأحداث السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وبشكل مفكك بعيد عن المنهج والفكرة وعدم بذل الجهد فى التوثيق ورصد المعلومات.


 


والمؤرخون الكبار الذين لعبوا دورا فى كتابة التاريخ المصرى فى عصوره المختلفة، يطالبون بالتفريق بين أمرين عند كتابة التاريخ، وهما التاريخ من حيث الأحداث، والتاريخ من حيث الرؤية، فالأحداث لا خلاف عليها بعد التأكد من وقوعها، وأن يخضع كاتب التاريخ لاختبارات مهمة من حيث ثقافته، ومصدرها، وقراءته، وتجربته، وانحيازاته الطبقية والاجتماعية، وإذا أخضعت المؤرخين الحاليين لهذه الاختبارات ستكتشف حجم التباين الشديد بين مؤرخ وآخر فيما يكتبونه عن نفس الحدث، ولا يتفقون سوى فى سرد الأحداث والوقائع الواضحة، لذلك فإن قرار وزارة التربية والتعليم استبعاد ثورتى 25 يناير و30 يونيو من المناهج التعليمية، يعد أهم قرار حكومى اتخذ منذ اندلاع ثورة 25 يناير وحتى الآن، حيث سيزيل تشوهات وأوراما سرطانية تسللت إلى عقول أبنائنا من خلال حشر أحداث سياسية تعمق من هوة الخلافات والانشقاقات والأحقاد والكراهية بين الطلاب بعضهم البعض من المنبع، ولتدارك خطيئة الدفع بأجيال ستكون بمثابة قنابل موقوتة تفجر وتمزق وحدة الصف واستقرار المجتمع.


 


لا يمكن أن نكتب التاريخ بأقلام مدادها الحب والكراهية، والانتماءات السياسية، بعيدا عن المنهج العلمى والتوثيقى، والتجرد، فى وقت نحتاج فيه إلى حشد الهمم لترميم الشروخ والتصدعات الخطيرة التى أحدثتها الثورتين فى العلاقة بين المصريين بعضهم البعض، وحالة التكفير السياسى المسيطرة على الناس حاليا.


 


ولكى تتمكن مصر من تجاوز حالة الانقسام المجتمعى، والانطلاق والازدهار الاقتصادى، والسياسى، عليها إلغاء الثورتين من مناهج التعليم بمراحله المختلفة، وعدم ذكرهما فى الامتحانات، ومنع المناقشات وحالة الجدل العقيمة حولهما، لقطع الطريق أمام المزايدين والمشككين وتجار الشعارات ومرضى التثوراللاإرادى واتحاد ملاك الثورتين الذين يوظفون الثورتين، لتحقيق مصالح خاصة على جثة الوطن.


 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*