أم معبد





فإن قصة نزول النبي – صلى الله عليه وسلم – على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته مشهورة في كتب السيرة و بعض كتب السنة، و أم معبد أسلمت مع زوجها أبو معبد و قد ذكرهما الحافظ بن حجر في كتابه “الإصابة” من جملة صحابة النبي – صلى الله عليه وسلم – إذ قال: “أم معبد الخزاعية التي نزل عليها النبي – صلى الله عليه و سلم – لما هاجر مشهورة بكنيتها، و اسمها عاتكة بنت خالد…” انتهى.

و قال أيضاً: “و في آخره – أي حديث أم معبد – عند البغوي قال عبد الملك: “بلغني أن أم معبد هاجرت و أسلمت”، قال البخاري: “هذا مرسل”، وأبو معبد مات قبل النبي – صلى الله عليه وسلم -” انتهى، واسم أبي معبد – أكثم – قاله أبو الفتح الأزدي الموصلي في كتابه أسماء من يعرف بكنيته.

و هذه القصة فيها من الروعة و الجمال ما يسبي العقول، و يريح النفوس، و يطمئن القلوب، و يثلج الصدور، لاسيما و أنت تشاهد جمال سيد الخلق، خير البرية، و أزكى البشرية؛ فتتمتع بجمال المشاهدة، و حلاوة النظر، و لذة الشوق للقاء و المرافقة في جنات النعيم، ثم تتأمل في تلك الصفات الخلقية التي وهبها الله نبينا – صلى الله عليه وسلم – فتشتاق لرؤيته، فإذا ما اشتاقت نفسك، و لهفت روحك؛ بحثت عن ما يوصلك إليها فتهرع إلى دواوين القرآن و السنة لترى كيف سبيل الوصول إليه، و اللقاء به، فتجد أنه رهن إمكان رؤيته و مرافقته بأتباعه {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَ اللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}2.

و كم يتمتع المحب للحبيب – صلى الله عليه و سلم – بقراءة هذا الوصف البليغ من أم معبد – رضي الله عنها – عندما يتنقل بين ثنايا السطور و الأحرف و الكلمات التي لو أنصفها الكتاب لما كتبوها إلا بماء الذهب لما تحمله في طياتها من معاني سامية، و أوصاف بديعة أبت إلا أن تتشرف و تتسم في ذات حبيبنا – صلى الله عليه و سلم – لتحوز على شرف الانتساب إليه، و الالتصاق به فتكون مصاحبة له، و مقتدية به.

عن المرء لاتسئل و سل عن قرينه            فكل قرين بالمقارن يقتدي

و تعالوا معي إلى ذاك الوصف الذي لم تشهد البلاغة وصفاً مثله، جزالة في العبارة، و حسن في السبك، و جمال في الأسلوب، و دقة في التصوير، و روعة في الإبداع، و قوة في الطرح، و رقي في الجمال؛ كل هذا ليثبت لنا أن نبينا – صلى الله عليه و سلم – أجمل الخلق، وأحسن الخلق ظاهراً وباطنا، وهاكم وصف أم معبد لنبيكم – صلى الله عليه وسلم – الذي كان بعدما نصبت أم معبد و زوجها خيمتهما في قلب الصحراء؛ لاستضافة الضيوف، و كسب أعطياتهم؛ فخرج النبي – صلى الله عليه و سلم – مهاجراً من مكة إلى المدينة ومعه “أبو بكر”، و”عامر بن فهيرة” مولى أبى بكر، ودليلهم “عبد اللَّه بن أريقط”؛ و لما اشتد بهم العطش، وبلغ الجوع بهم منتهاه؛ جاءوا إلى “أم معبد”، ونزلوا بخيمتها، وطلبوا منها أن يشتروا لحماً و تمراً، فلم يجدوا عندها شيئاً، فنظر النبي – صلى الله عليه و سلم – في جانب الخيمة فوجد شاة، فسألها: ((يا أم معبد هل بها من لبن؟)) قالت: لا هي أجهد من ذلك – أي أنها أضعف من أن تُحلب -، فقال: ((أتأذنين لي أن أحلبها؟)) قالت: نعم إن رأيت بها حلباً، فمسح ضرعها بيده الشريفة، و سمَّى اللَّه، و دعا لأم معبد في شاتها؛ فدرّت و اجترّت، فدعاها و طلب منها إناءً، ثم حلب فيه حتى امتلأ عن آخره، و قدَّمه إليها فشربت حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رَوُوا، و شرب آخرهم، ثم حلب ثانياً و تركه عندها، و ارتحلوا عنها، فما لبثت إلا قليلاً حتى جاء زوجها أبو معبد “أكثم بن أبى الجون” يسوق أَعْنُزاً عجافاً هزالاً، تسير سيراً ضعيفاً لشدة ضعفها، فلمّا رأى اللبن عجب و قال: من أين هذا يا أم معبد، و الشاة عازب بعيدة عن المرعى، حيال غير حامل، و لا حَلُوبةَ في البيت؟ قالت: مرّ بنا رجل كريم مبارك، كان من حديثه كذا و كذا ! قال: صِفِيهِ لي يا أم معبد، فقالت: “إنه رجلٌ ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخِلقة، لم تُزْرِ به صِعلة، و لم تَعِبْه ثجلة، و سيماً قسيماً، في عينيه دَعَج، و فى أشفاره عطف، و فى عنقه سَطَع، و فى صوته صَحَل، و فى لحيته كثافة، أحور أكحل، أزَجُّ أقرن، إن صمتَ فعليه الوقار، و إن تكلم سَمَا و علاه البهاء، أجمل الناس و أبهاه من بعيد، و أحسنه و أجمله من قريب، حلو المنطق، فَصْلٌ، لا نزر و لا هَدْر، و كأن منطقه خرزات نظم تَنحدر، رَبْعَة لا تشنؤه من طول، و لا تقتحمه العين من قِصِر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظر، أحسنهم قدراً، له رُفَقَاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، و إن أمر تبادروا إلى أمره، محفود محشود، لا عابس و لا مُفنّد، فقال أبو معبد: هو و اللَّه صاحب قريش الذي ذُكر لنا من أمره ما ذُكر بمكة، و لو كنت وافقتُه لالتمستُ صحبته، و لأفعلن إن وجدتُ إلى ذلك سبيلاً، فأعدت أم معبد و زوجها العدة؛ كي يلحقا برسول الله – صلى الله عليه و سلم-  في  المدينة، و هناك أسلما، و دخلا في حمى الإسلام.

فأصبح الناس بمكة يسمعون صوتاً عالياً، و لا يدرون من صاحبه، و هو يقول:

جزى الله رب الناس خير جزائه             رفيقي قالا خيمتي أم معــبد

هما نزلاه بالهـدى و اهتـدت به            فقد فاز من أمسى رفيق محمـد

فيا لقصي ما زوى الله عنــكم            به من فعال لاتجـارى و سؤدد

ليهن بني كعب مكان فتاتهــم             و مقعــدها للمؤمنين بمرصد

سلوا أختكم عن شاتها و إنائهـا          فإنـكم إن تسألوا الشاة تشهد

دعاها بشاة حائل فتـحلــبت               عليه صريحـاً ضرة الشاة مزبد

فغادرها رهناً لديـها لحالــب                يرددها في مصـدر ثم مـورد

فلما أن سمع حسان بن ثابت           بذلك شبب يجيب الهاتف و هو يقول:

لقد خاب قوم زال عنهم نبيـهم           و قدس من يسري إليهم و يغتدي

ترحل عن قوم فضلت عقولهـم            و حل على قوم بنور مجـــدد

هداهم به بعد الضلالة ربهــم            و أرشدهم من يتبع الحـق يرشد

و هل يستوي ضلال قوم تسفهوا            عمايتهم هاد به كل مهتـــد

و قد نزلت منه على أهل يثـرب            ركاب هدى حلت عليهم بأسعد

نبي يرى ما لا يرى الناس حولـه           و يتلو كتاب الله في كل مسجـد

و إن قال في يوم مقالة غائــب            فتصديقها في اليوم أو في ضحى الغد

ليهن أبا بـكر سعادة جــده             بصحبـته من يسعـد الله يسعـد

ليهن بني كعب مكان فتـاتهـم             ومقعـدها للمـؤمنـين بمرصـد

و هكذا حلت البركة و الخير والنعمة و العطاء على أم معبد و زوجها بحلول نبينا – صلى الله عليه وسلم – بعد أن كانوا في شدة و ضيق، و جدب و قحط أوشكوا منه على الهلاك، و في هذه القصة من المعجزات الشيء الكثير أبرزها حلب الشاة المجهدة، و در اللبن منها، مما جعل أبا معبد عند مشاهدته لهذه المعجزة يعلن أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله، و يتبع الرسول إلى المدينة مع زوجته أم معبد.

و عاشت أم معبد – رضي الله عنها – بعد وفاة رسول الله – صلى الله عليه و سلم – إلى خلافة عثمان بن عفان – رضي اللَّه عنه -، و كان الصحابة يقدِّرونها و يعرفون لها فضلها فعن هشام بن حرام عن أبيه: أن أمّ معبد كانت تُجْرَى عليها كِسْوَة، و شيء من غلة اليمن، و قَطَران لإبلها، فمرّ عثمان، فقالت: أين كسوتي؟ و أين غلة اليمن التي كانت تأتيني؟ قال: هي لك يا أم معبد عندنا، و اتبعتْه حتى أعطاها إياها.

رضي الله – تعالى – عن صحابة رسول الله أجمعين، و وفقنا لكل خير، و دفع عنا كل ضير، و الحمد لله رب العالمين.

 

سماحة الإسلام

Cet article أم معبد est apparu en premier sur Arabiyet.

قد يهمك هذا المحتوي المرشح من جوجل